قصة ومعنى المثل كل إناء بما فيه ينضح


- 04:47
كلُّ إناءٍ بما فيهِ ينضحُ
قصة المثل العربي القديم كلُّ إناءٍ بما فيهِ ينضحُ 

كلُّ إناءٍ بما فيهِ ينضحُ هو مثل عربي قديم وجميل ومعبر جدا، وقد تناقلته الألسن من قديم الزمان حتى اليوم، وفي هذا الموضوع بموقع عهد تطوير الذات سنشرح قصة وأصل ومعنى هذا المثل العربي البليغ والمبعر.

ونرجو ان تتأمل هذه القصة الواردة بالموضوع حتى تستفيد من مغزاها وتدرك الحكمة  والعبرة من صياغة المثل العربي، فأبق معنا، وقراءة ممتعة:

قصة مثل كل إناء بما فيه ينضح

يحكى أنه في قديم الزمان  كان هناك ثلاثة أشخاص كانوا مسافرين يمشون سوياً على الطريق في الصباح الباكر، فرأوا من بعيد شخصاً يقوم بحفر بئر على جانب الطريق.

 فقال الشخص الأول: "شاهدوا ذلك الرجل إنه يحفر حفرة في هذا الوقت المبكر من اليوم فقد يكون قتل شخصا ما وأراد أن يدفنه في هذه الحفرة حتى لا يراه أحد". 

أما الشخص الثاني فقال: "لا أتفق معك، لا بد أنه ليس بقاتل، وإنما هو شخص بخيل لا يعطي ثقته لأي أحد فقام بإحضار ماله وأراد أن يخفيه في تلك الحفرة".

أما الشخص الثالث فقال: "لا هذا ولا هذاك، إنما هذا الشخص شخص طيب وكريم  أراد أن يحفر بئر للمياه حتى يشرب منه الناس الذي يمرون على الطريق، فجاء وبدأ في حفر تلك الحفرة في الصباح الباكر". 

وقد سمعهم شيخ كبير في السن كان يرعى غنمه بالقرب منهم ولم يلاحظوا وجوده، فقال: كل إناء بما فيه ينضح. فسمعوه وإنصرف هو لحال سبيله. فاصبحت مقولة الشيخ مثلا بليغا ومعبرا تتداوله الألسن بعد ذلك.

العبرة من القصة

نستنتج من هذه القصة أن كل إنسان يرى الناس بعين طبعه، وأن كل إنسان يتوقع ما يقوم به الناس من أفعال حسب تفكيره وأخلاقه، فيرى الفعل السيء والفعل الجيد حسب فرضياته وتوقعاته الناجمة عن مجتمعه الذي ينخرط به، ومن هنا جاء هذا المثل  كل إناء بما فيه ينضح.

- يعني إذا كان في الإناء عسل سينضح بالعسل، وإذا كان في الماء سينضح بالماء، وإذا كان فيه القطران سينضح بالقطران، وإذا كان فيه الخمر سينضح بالخمر ..الخ. 

معنى مثل كل إناء بما فيه ينضح 

معنى مثل كل إناء بما فيه ينضح
معنى مثل كل إناء بما فيه ينضح 


لا يحمل هذا المثل العربي القديم معنى واحد، بل يحمل معنيين حسب سياق الكلام،  أولهما، وهو الظاهر الذي يتبادر إلى الذهن: أن كل أحد يُظهر ما في باطنه، حتى وإن أخفاه، وأما الثاني فهو: أن كل إنسان يرى الناس بعين طبعه.

ويضاف معنى أخر للمثل وهو من يُجازى من جنس عمله، وهذا الذي قصده شاعر الحيص بيص (لقب شاعر)، عل عكس ما ذهب إليه الخفّاجي، فحيص بيص يدِل بالتفاوت بين الجماعتين، ويعتز بالعفو والصفح، فكيف يجازيهم من جنس عملهم؟   

معنى ينضح في القواميس العربية

  • نضَح الماءُ: سالَ ورشحَ
  • النَّضَحُ : ما ترشَّشَ من الماءِ أو نحوه عند نَضْحِه
  • تَنَضَّحَتِ العَيْنُ: نَضَحَتْ، أَيْ فارَتْ بِالدَّمْعِ
  • اِنْتَضَحَ الماءُ على الجِدارِ: تَرَشَّشَ
  • اِنْتَضَحَ الرَّجُلُ بِالطِّيبِ أَوِ الماءِ : رَشَّ شَيْئاً مِنْهُ على جَسَدِهِ أَو ثَوْبِهِ
  • أَنْضَحَ الشَّجَرُ : تَفَطَّرَ لِيُخْرِجَ بَراعِمَهُ وأَوْراقَهُ
  • إِنَاءٌ نَضُوحٌ : إِنَاءٌ يَرْشَحُ بِمَا فِيهِ
  • قَوْسٌ نَضُوحٌ بِنِبَالٍ : قَوْسٌ شَدِيدَةُ الرَّمْيِ
  • مزادةٌ نَضُوحٌ: تنضح بالماء
  • وقوسٌ نضوح: شديدةُ الحَفز والدَّفْع للسهم
  • أَنْضَحَ عِرْضَهُ : لَطَّخَهُ، أَفْسَدَهُ، مَسَّ شَرَفَهُ
  • المصدر: قاموس المعاني.

فيما يضرب مثل كل إناء بما فيه ينضح ؟

كثيرًا ما يرد مثل "كل إناء بما فيه ينضح" في معرض الإشارة إلى الإنسان السلبي، فالإنسان كالإناء إذا ما امتلأ بالغَيرة والحقد وتصيد السلبيات، فلا يمكن إلا أن يفيض بالسلبية، مهما حاولنا أن نحول دون ذلك.

 كما إن هذا المثل العربي القديم يرد إيجابيًّا، فالفاضل لا يصدر منه إلا الفضل، وهذا كمثل قول الناس أيضا: "ما بيطلع من المليح إلا المليح"، و"الثمرة لا تبعد عن الشجرة"، ولم يستطع أحد أن يحدد أول من قال العبارة، خاصة وأن هذا المثل  العربي وُرد في الكثير من كتب الأمثال. 

كل إناء بما فيه ينضح في الشعر العربي

لقد ورد هذا المثل العربي القديم  في شطر لبيت من الشعر، لشاعر كان يلقب بحـيص بيص الذي توفي سنة 1179م، وهو لقب للشاعر سعد بن الصيفي التميمي، وكان من أخبر الناس بأشعار العرب واختلاف لغاتهم، وقد سُميّ بلقب حيص بيص؛ لأنه رأى الناس يومًا في حركة مزعجة وأمر شديد فسأل: “ما للناس في حيص بيص”؟ فاشتهر فيه هذا اللقب، ومعنى هاتين الكلمتين الشدة والاختلاط، تقول العرب: وقع الناس في حَيص بَيص، أي في شدّة واختلاط، أو في هَرْج ومَرْج، أما أبياته الشهيرة التي أورد فيها عبارة كل إناء بما فيه ينضح فهي: 

  • مـلكنا فكان العفو منا سجـيـــــــة 
  • فـلما ملكتـم سـال بالــدم أبــطـــع 
  • وحللتم قـتـل الأســارى وطــالـما 
  • غدونا عن الأسرى نعف ونصفح 
  • فـحسبـكـم هـذا الـتـفـاوت بـيـنـنـا 
  • وكـل إنــاء بالـذي فـيـه يـنـضــح

وقد سبق الشاعر العربي كُشاجم الذي توفي سنة. 960م ، سعد بن الصيفي التميمي الملقب بحيص بيص في استخدام العبارة، وذلك في قوله:

  • ومستهجـنٍ مَـدْحي لهُ إن تـأكّـدَتْ
  • لَنا عقدة ُ الإخلاصِ والحقّ يمدحُ
  • ويأبَى الّـذي فـي القلبِ إلاَّ تَـبَـيُّـنًا
  • وكــلُّ إنـاءٍ بالــذي فـيـهِ يـنـضَحُ
لكن حيص بيص اشتهر بالأبيات بسبب المعنى الجديد الذي أورده، وهو غاية في البيان، لأنه يجري مجرى المثل، ووصف الحال في الجماعات، وتباين الأخلاق في المجتمع.

روى الأبشيهي في كتابِه "المُستطْرَف من كلّ فنّ مُستظْرَف" شعرًا ورَدت فيه العبارة، ولم يذكر اسم الشاعر في كل من الاقتباسين:

  • سقى الله روضًا قد تبدى لناظـرٍ
  • به شادن كالغصن يلهو ويمرح
  • وقد نضحت خداه من ماء ورد
  • وكـل إنـاء بالـذي فـيـه يـنـضح

وروى أيضًا:

  • يقولون لي والدمع فرح مقلتي
  • بنار أسى من حبة القلب تقدح
  • أدمعك جمر قلت لا تـتعجبـوا
  • فكل وعاء بالذي فيه ينضـــح

ثم تردد الشطر في شعر شعراء آخرين، أذكر منهم:

صَفيّ الدين الحِلّي:

  • إذا ما فعلتَ الخيرَ ضوعفَ شرُّهمْ
  • وكـلُّ إنــــاءٍ بالذي فـيـهِ يَـنـضَـحُ

ابن نُباتة المصري:

  • و لغـز هـداني نـحـو مـعـنـاه أنـه
  • أتى وبه عَرفٌ من الروض ينفَح
  • يشفّ على مكتوبه طِيبُ ما حوى
  • و كــل إنــاءٍ بالـذي فـيـه يـنـضحُ

وثمة أبيات أخرى ترد في نهاية العبارة (يرشح) بدلاً من (ينضح)، نحو قول الشاعر:

  • فنمَّ بأسرار الصبابة مدمعي
  • وكل إناء بالذي فيه يرشح

  • وتبدو عليه عند ذاك شواهد
  • وكل إناء بالذي فيه يرشح

لا نستطيع تحديد أول من قال العبارة، خاصة وأن المثل وارد في كتب الأمثال.

ثم إن معنى هذا المثل وارد في شعر علي بن أبي طالب  رضي الله عنه،  أيضا:

  • من لم يكن عنصره طيّبًا
  • لم يخرج الطيِّـب من فيهِ
  • كل امرِئٍ يـشبهه فِـعـلُـه
  • ويـنـضح الـكوز بما فيـهِ

يقول الخفّاجي في كتابه (ريحانة الألبّا وزهرة الحياة الدنيا- ص 628):

"وهذا المثل لم أرَ من حمل مورده ومضربه، وهو يحمل معنيين:
  1. أحدهما وهو الظاهر المتبادر أن كل أحد يلوح على ظاهره ما في باطنه، وإن أخفاه.
  2. والثاني أن كل أحد يُجازى من جنس عمله، وهذا الذي قصده الحيص بيص.

لكن لا نتفق مع ما ذهب إليه الخفّاجي، فحيص بيص يعدِل بالتفاوت بين الجماعتين، ويعتز بالعفو والصفح، فكيف يجازيهم من جنس عملهم؟ وهو ما لا يستقيم مع معنى المثل في سياق أبياته الشعرية.